منتدى ذكرى الاسلامي

الجمعة، 9 مايو 2014

المنازعات العقارية بشأن الترقية العقارية وتداعياتها على التهيئة العمرانية"   
د. حجاري محمد  
أستاذ محاضر- كلية الحقوق والعلوم السياسية       
 جامعة معسكر    

ملخص المداخلة:
   تحتل الظاهرة العمرانية مكانة مهمة الآن أكثر من ذي قبل، نظرا للتغيرات التي شهدتها المدن الحديثة والتحولات العميقة التي تعيشها الجزائر، وذلك نتيجة للنمو السكاني المتزايد، وما ترتب عنهما من تحولات في أنماط الإنتاج والاجتماع والعمران، وهو ما زاد في تعقيد عمليات الإنتاج العمرانية شكلا ومضمونا. حيث انتشرت المدن ومظاهرها في شكل مشاريع عقارية مختلفة، وتوسعت على الأقاليم وفق وتيرة تحول سرعتها دون التحكم فيها، وقد تفوق سرعتها قدرة فهمها. بل طغى النمط الحضري على التجمعات الإنسانية، وسيطرة ثقافة المدينة ونمط حياتها على الذهنيات، وتغيرت المدن أشكالا ومضامينا، وهو ما يجعلنا نعتبر الظاهرة العمرانية ضمن تحديات القرن العشرين.
   فأصبحت من ثم المسألة العقارية تحتل مكانة هامة في أي مشروع للتهيئة، سواء كان قرويا أو حضريا، فالعلاقة التي تربط العقار بالتعمير عموما والتهيئة العمرانية على وجه الخصوص هي علاقة متداخلة تتبادل التأثير والتأثر. ويشهد تدبير مرفق التعمير والإسكان صعوبات وتعقيدات كبيرة بسبب ارتباطه الوثيق بحق الملكية، وبسبب ما يعرفه من تداخل بين المصالح العامة والخاصة إلى حد التعارض، وكذا تعدد المتدخلين عموميين وخواص في هذا المجال. لذلك تجد الإدارة نفسها في كثير من الأحيان بين سندان تدبير هذا المرفق الحيوي ومطرقة احترام الحقوق وتجنب أي تعسف في ممارسة سلطاتها، الأمر الذي يجعل التوفيق بين طرفي هذه المعادلة صعبا في كثير من الأحيان، إن لم نقل مستحيلا، فتصبح الإدارة المكلفة بتدبير هذا المرفق طرفا في نزاعات قضائية، إما كمدعى عليها، أو كمدعية، أو كطرف مدخل في دعاوى إلى جانب أطراف أخرى.
     وتطرح القضية عدة تساؤلات، فهل تكمن المسألة في محدودية النصوص القانونية النافذة في ضبط النمو العمراني المتسارع، ومسايرة المتغيرات التي يشهدها المجال العمراني، أم أن المسالة تتعلق بضبط وتحيين تلك النصوص أمام الطلب المتزايد على السكن. وما مدى حفظ القانون المتعلق بالقواعد المطبقة على النشاط العقاري لحقوق المقتني، والذي يكون طرفا في عقد حفظ الحق أو عقد البيع على التصاميم في مواجهة المرقي العقاري. 
    إن مبعث إشكالية البحث هو التخوف من أن تصطدم طموحات القانون المحدد للقواعد التي تنظم نشاط الترقية العقارية مع إكراهات الواقع المعيش، فندشن مسار هذا القانون بالنقد والتنافر مع المبتغى من تدبير وتهيئة عمرانية محكمة، فبالرغم من الإمتيازات المخولة قانونا للمرقين العقاريين لممارسة نشاطهم، وكذا الإعفاءات التي يستفيدون منها، إلا أن ذلك لم يمنع من تحايل كثير منهم على الأحكام القانون المتضمن القواعد المطبقة على النشاط العقاري، وكذا المعايير العمرانية السارية. لذلك كانت هذه الدراسة الوصفية التحليلية للآليات القانونية للتخفيف من حدة الإحتقان الحاصل حاليا في ميدان العقار، وتحديدا في إطار الترقية العقارية، وتلطف من حدة المنازعات العقارية في علاقتها بالتخطيط للمدن والتهيئة العمرانية.
    تهدف هذه الورقة تحليل ونقد جملة من المسائل، حاولت خلالها إبراز الموقف القانوني والتنظيمي فيها حينا، أو عرض مواضع الخلل والقصور حينا آخر. من خلال بحث العوائق التي تحول دون ضمان تطابق المشاريع العقارية مع مخططات التعمير، وترقية البيئة المستدامة، والوقوف أمام التعديات المسجلة على التوجهات التخطيطية وأسبابها، ومدى تأثيراتها البيئية والعمرانية السلبية والإضرار بأهداف التنمية الحضرية وسلامة السكان. فضلا عن مسألة تعدد أدوات التهيئة والتعمير في الجزائر، سيما في المدن الكبرى، وما تطرحه من قضية الترابط والتكامل والتناسق بينها، سواء من الناحية الإجرائية والتنفيذية. ومدى تناسق قانون نشاط الترقية العقارية مع القانون رقم 02/08 المتعلق بشروط إنشاء المدن الجديدة وتهيئتها، والقانون رقم 06/06 المتضمن القانون التوجيهي للمدينة. والضمانات المخولة قانونا للمكتتب في عقد حفظ الحق والبيع على التصاميم في مواجهة المرقي العقاري في ظل عدم احترام هذا الأخير للمخططات الموافق عليها من السلطات المؤهلة. والتزامات المرقي العقاري في مواجهة المقتنين والسلطات المختصة أمام عدم تطابق المشاريع العقارية مع مخططات التعمير والمعايير العمرانية السارية. 
   أولا: تجليات تأثير المنازعات العقارية على التدبير العمراني:(القواعد العامة للتهيئة والتعمير):
  إن تقدير حجم الأثر الذي تخلفه المنازعات العقارية على التهيئة العمرانية يقتضي منا الوقوف على الأسباب العديدة المؤدية للمنازعات، والتي يمكن تلخيص أبرزها في:
- فتح العديد من الأراضي في وجه التعمير كمجال للترقية العقارية رغم طبيعتها القانونية المعقدة، الأمر الذي نتج عنه انتشار معاملات وتصرفات عقارية على هامش الشرعية، واستفحال السكن غير اللائق، ومن ثم كثرة المنازعات على مستوى المحاكم، نتيجة للتعارض بين إرادة المرقي العقاري من جهة وبين متطلبات التعمير والتهيئة العمرانية من جهة أخرى.
- التعدي على ملك الغير، أو تقديم ملفات للبناء على أراضي مشاعة ملكيتها.
- إنجاز مشاريع عقارية جديدة، أو إعادة هيكلة، كلية أو جزئية، دون تصفية الوعاء العقاري للمشاريع، أو لأجزاء منه.
- عدم مطابقة المشاريع العقارية - سيما المتعلقة منها بمحلات ذات استعمال سكني أو تجاري- مع مخططات التعمير، بدافع الربح السريع والمضاربة.
   ولذلك جاء في المادة 05 من قانون رقم 11/04 الذي يحدد القواعد التي تنظم نشاط الترقية العقارية، بإخضاع نشاط  الترقية  العقارية  في  مجال التصميم والتهيئة  والبناء  إلى القواعد العامة للتهيئة والتعمير  والبناء  المحددة  في  التشريع  المعمول  به، وكذا أحكام  هذا  القانون. ولا يمكن تشييد أي مشروع  عقاري يتناقض مع مضمون  مخططات التهيئة والعمران المصادق عليها قانونا". واضح من خلال هذا النص إخضاع جميع أوجه نشاط الترقية العقارية: بناء، تهيئة، إصلاح، ترميم، تجديد عمراني، أو إعادة التأهيل.. سواء في مجال التصميم([1]) أو التهيئة أو البناء إلى القواعد المعمول بها في مجال التهيئة والتعمير، والتي قررها قانون التهيئة والتعمير رقم 90/29 المؤرخ في 01/12/1990 ونصوصه التنفيذية، والمعدل بالقانون رقم 04/05 المؤرخ في 14/08/2004 والقانون رقم 08/15 المؤرخ في 20/06/2008 الذي يحدد قواعد مطابقة البنايات وإتمام إنجازها.
     ولعلّ أهم هذه القواعد العامة للتهيئة والتعمير والبناء، أو كما وصفتها المادة 08 من قانون الترقية العقارية بالمعايير العمرانية السارية([2])، والتي يجب مراعاتها في مختلف نشاط الترقية العقارية ما يأتي:
-         لا تكون عملية تشييد بناية أو مجموعة بنايات ذات الإستعمال السكني أو التجاري أو الحرفي أو المهني مقبولة إلا إذا كانت مراعية للإقتصاد الحضري متى كانت قطع الأراضي المبنية داخل الأجزاء المعمّرة للبلدية. ومعنى ذلك أن نشاط الترقية العقارية يجب أن يراعي التوسع العمراني الحضري، بمعنى أن مخطط التوجيه والتعمير إذا تعلق بقطاعات للتعمير المستقبلة، وهي الأراضي المخصصة للتعمير على المدى البعيد في آفاق عشرين سنة، فلا يمكن أن تكون مجالا للترقية العقارية، وذلك حفاظا على النسيج الحضري والتوسع العمراني المنضب.
-         وجوب مراعاة نشاط الترقية العقارية وملاءمتها لأهداف المحافظة على التوازنات البيئية.
-         وجوب مراعاة نشاط الترقية العقارية، سيما ما تعلق بالترميم العقاري، من خلال تأهيل بنايات أو مجموعة بنايات ذات طبع معماري أو تاريخي وملاءمتها مع ضرورة حماية المعالم الأثرية والثقافية، مع مراعاة أحكام قانون رقم 98/04 المتعلق بحماية التراث الثقافي.   
-         احترام المعايير المعتمدة عالميا في مجال البناء والتعمير، وتحديدا تلك المخاطر الناتجة عن الزلازل، وقد استحدث هذا الحكم وأضيف إلى فقرات المادة 04 من قانون التهيئة والتعمير رقم 90/29 والمتعلقة بالقواعد العامة للتهيئة والتعمير نتيجة الآثار الكارثية التي خلّفها زلزال بومرداس ماي 2003، حيث يجب تجنيب كل نشاط عقاري لأي خطر ناتج عن الكوارث الطبيعية والتكنولوجية. ولهذا الغرض أوجبت الفقرة 02 من المادة 11 من قانون التهيئة والتعمير رقم 04/05 تحديد الأراضي المعرضة للأخطار الناتجة عن الكوارث الطبيعية، أو تلك المعرضة للإنزلاق عند إعداد أدوات التهيئة والتعمير.
-         احترام العلو بالنسبة للبنايات بأن لا يتجاوز علو البنايات في الأجزاء المعمرة من البلدية متوسط علو البنايات المجاورة.، أما بالنسبة لعلو البنايات خارج الأجزاء المعمرة فيجب أن يكون منسجما مع المحيط.
-         وجوب احترام معامل شغل الأرض، والطبيعة الخارجية للوعاء محل المشروع من خلال احترام الفضاءات والمساحات الخضراء والتراص.
-         وجوب احترام حق الجوار والمطل بالنسبة للمستفيد أو الغير.
    ثانيا: آليات المراقبة والتحكم في العمران ومدى الالتزام بها من طرف المتعاملين الاقتصاديين في ميدان الترقية العقارية: 
     ورد في نص المادة 06 من قانون الترقية العقارية خضوع كل عملية ترميم عقاري أو إعادة تأهيل أو تجديد عمراني أو إعادة هيكلة أو تدعيم إلى ترخيص إداري مسبق، ومع الشروع في أي من الأشغال المذكورة دون الحصول على هذا الترخيص الإداري. ومعنى ذلك وجوب التزام المرقين العقاريين بهذه الرخص الإدارية من حيث كيفية تحضيرها والجهة المختصة بتسليمها ومهلها..وقد أورد ذلك المرسوم التنفيذي رقم 91/176 المؤرخ في 28/06/1991 الذي يحدد كيفيات تحضير شهادة التعمير ورخصة التجزئة وشهادة التقسيم ورخصة البناء وشهادة المطابقة ورخصة الهدم، وتسليم ذلك، والمعدل بموجب المرسوم التنفيذي رقم06/03 المؤرخ في 07/01/2006، والمعدل والمتمم هو الآخر بموجب المرسوم التنفيذي رقم 09/307 المؤرخ 22/09/2009. ويتعلق الأمر بـ:
1-    شهادة التعمير: وهي الوثيقة التي تسلم بناء على طلب من كل شخص معني، تعين حقوقه في البناء والإرتفاقات من جميع الأشكال التي تخضع لها الأرض المعنية، ويوضح طلب شهادة التعمير هوية الشخص المعني مشتملة على إسم مالك الأرض، العنوان والمساحة، وتصميم حول الوضعية. ويودع هذا الطلب والوثائق المرفقة بمقر البلدية المختصة إقليميا، ويجب أن تبلغ شهادة التعمير خلال الشهرين الموالين لإيداع الطلب مشتملة على:
-         أنظمة التهيئة والتعمير المطبقة على القطعة الأرضية.
-         الإرتفاقات المدخلة على القطعة الأرضية.
-         خدمة القطعة الأرضية بشبكات من الهياكل القاعدية العمومية الموجودة أو المتوقعة.
-         فضلا عن الأخطار الطبيعية التي يمكن أن تمس الموقع المعني، وكذا الأخطار التي تم التعرف عليها أو الموضوعة على خرائط، والتي تؤدي إلى تحديد أو إقصاء قابلية إقامة المشروع على القطعة الأرضية، ولا سيما:
-         ظهور شروخ زلزالية نشطة على سطح الأرض- حركة التربة، إنزلاق، إنهيار، سقوط الحجارة..- الأراضي المعرضة للفياضانات.     
2-    رخصة التجزئة: وهي رخصة تسلم بقرار من الوالي المختص إقليميا أو من الوزير المكلف بالتعمير حسب كل حالة، لكل عملية تقسيم لقطعتين أو عدة قطع من ملكية عقارية واحدة، أو عدة ملكيات مهما كان موقعها إذا كانت قطعة أو عدة قطع أرضية ناتجة عن هذا التقسيم من شأنها أن تستعمل في تشييد بناية. ولا تسلم هذه الرخصة إلا إذا كانت الأرض المجزأة موافقة لمخطط شغل الأراضي المصادق عليه( POS)، أو مطابقة لوثيقة التعمير التي تحل محل ذلك (المادة 18 من المرسوم 91/176). 
وإذا تتبعنا أحكام النصوص التنظيمية المحددة لكيفيات تنظيم وتسلم رخص التجزئة نجدها قررت جملة من الإلتزامات على صاحب الطلب من خلال الأشغال المتعلقة بجعل الأراضي المجزأة قابلة للإستغلال من خلال إحداث:
-         شبكات الخدمة وتوزيع الأرض المجزأة إلى شبكة من الطرق والماء والتطهير والإنارة العمومية..
-         مساحات توقيف السيارات والمساحات الخضراء، وميادين الترفيه.
   هذا هو المقرر قانونا، لكن الواقع يبرز لنا بعض مظاهر عدم التزام بعض المرقين العقاريين بتلك الأحكام، وهو ما نتج عنه منازعات قضائية، وتوقف للمشروع قد يصل لسنين عديدة.
    ومن ذلك المنازعة القضائية الحاصلة بين مديرية التعمير والبناء لولاية معسكر مع مرقي عقاري منح شهادة تخصيص 08 قطع أرضية لمستفيد، تقع 04 قطع منها خارج الأراضي المعمرة، ضمن تجزئة إجمالية بـ158 قطعة، وبعد حصول المرقي على رخصة التجزئة تم تنفيذ جزء من المشروع خارج الأرض القابلة للتعمير، فادعت مديرية التعمير والبناء بدعوى أمام الغرفة الإدارية ضد المرقي العقاري، طلبت فيها إلغاء رخصة التجزئة كليا، وطلبت القاضي تعيين خبير عقاري، وفي ضوء ما جاء فيه قضى بإلغاء رخصة التجزئة جزئيا، في الجزء غير الواقع في النسيج العمراني. تقدمت الإدارة المدعية باستئناف أمام مجلس الدولة على اعتبار مخالفة القرار القضائي لمقتضيات قواعد التهيئة والتعمير وتحديدا أحكام المادة 18 من المرسوم 91/176 مطالبة بإلغاء قرار التجزئة كليا على اعتبار أن المشروع كتلة واحدة يستحيل تجزئته، ويلزم لذلك دراسة أخرى وتهيئة جديدة. والقضية أمام مجلس الدولة منذ 2010 إلى يومنا هذا، ما ترتب عنه توقف مشروع الترقية العقارية.    
3-    رخصة البناء: وهي رخصة تشترط لتشييد البنايات الجيددة مهما كان استعمالها، أو لتمديد البنايات الموجودة، أو لتغيير البناء الذي يمس الحيطان الضخمة منه، أو الواجهات المفضية على الساحة العمومية، أو لإنجاز جدار صلب للتدعيم أو للتسييج. ولا يمكن الترخيص بالبناء الذي يشيد على أراضي مجزأة إلا إذا كان مطابقا لتوجيهات رخصة التجزئة، ويجب إرسال ملف التجزئة إلى مصلحة الدولة المكلفة بالتعمير(مديرية التعمير والبناء) لإبداء رأيها حول مطابقته لأحكام القانون.
4-    شهادة المطابقة: يتعين على المستفيد من رخصة البناء عند انتهاء أشغاله، وعند انتهاء أشغال التهيئة، إن اقتضى الأمر ذلك، استخراج شهادة مطابقة الأشغال مع أحكام رخصة البناء، تسلم حسب الحالة من قبل رئيس المجلس الشعبي البلدي أو من قبل الوالي بحسب الحالة. وهذا تطبيقا للمادة 75 من قانون التهيئة والتعمير رقم 90/29 والمادة 54 وما بعدها من المرسوم التنفيذي رقم 91/176. هذا الأخير أوكل مهمة التحقيق في مدى مطابقة الأشغال المنجزة للجنة تضم ممثلين مؤهلين قانونا عن رئيس المجلس الشعبي البلدي ومصلحة الدولة المكلفة بالتعمير على مستوى الولاية (مديرية التعمير والبناء)، وممثلين عن المصالح المعنية الأخرى. وتعد اللجنة محضرا تبين فيه رأيها حول مدى المطابقة التي تمت معاينتها، وإذا أثبتت فيه مطابقة الأشغال المنجزة تسلم الشهادة (المادة 57، 58 من المرسوم أعلاه).
   أما إذا ما أبرزت عملية الجرد من قبل اللجنة أعلاه عدم إنجاز الأشغال طبقا للتصاميم المصادق عليها ووفق أحكام رخصة البناء، فقد قررت المادة 59 من المرسوم على السلطة المختصة واجب إعلام المعني بعدم إمكانية تسليمه شهادة المطابقة، وأنه يجب عليه إعادة تهيئة البناء وجعله مطابقا للتصاميم المصادق عليها، وإلا تقرر توقيع المخالفات المحددة بموجب قانون التهيئة والتعمير. كما أنه في حالة عقد البيع على التصاميم، لا يمكن حيازة بناية أو جزء من بناية من طرف المقتني إلا بعد تسليم شهادة المطابقة( المادة 39 من قانون نشاط الترقية العقارية). 
    ويضاف إلى التراخيص السابقة رخصة الهدم، حيث يخضع كل هدم كلي أو جزئي للبناء لرخصة الهدم وذلك في بعض المناطق المشار إليها في مواد قانون التهيئة والتعمير رقم 90/29 (المادة 60 منه والمادة 61 وما بعدها من المرسوم التنفيذي رقم 91/176).  
    وتأسيسا على ذلك، حصر القانون سلطة منح كل الرخص المرتبطة بالبناء والتجزئة، والتقسيم والمطابقة والهدم، في يد رئيس المجلس الشعبي البلدي، باستثناء تلك المتعلقة بعمليات البناء التي تكون لصالح الدولة أو الولاية، والتي تعود لسلطة الوالي، مع توسيع هذه السلطة إلى مراقبة ومتابعة عمليات البناء، حتى الإنجاز الكلي للمشروع.
    وكل شروع في أشغال عقارية دون الحصول على ترخيص إداري أو مخالفة لها يعرض الفاعل لغرامة من مائتي ألف دينار (200,000 دج) إلى مليوني دينار (2,000,000 دج) (المادة 69 من قانون نشاط الترقية العقارية).
    وبهدف ضمان احترام المواصفات، يتوجب أن يتم إعداد وضع مشاريع البناء الخاضعة لرخصة البناء، من طرف مهندس معماري ومهندس مدني معتمدين في إطار عقد تسيير المشروع، وأن يحتوي المشروع العقاري التصاميم والوثائق التي تعرِّف بموقع المشروع وتكوينه، تنظيمه وحجمه ونوع واجهاته، وكذا مواد البناء والألوان المختارة التي تبرز الخصوصيات المحلية والحضارية للمجتمع الجزائري ([3]).

    ثالثا: أدوات التهيئة والتعمير،تخطيط  بالوكالة وتطبيق معطل (مدى احترام المعنيين بتطبيق القانون المتعلق بنشاط الترقية العقارية لأدوات التهيئة والتعمير):
    تمثل التهيئة العمرانية أقوى وأكثر الخدمات المحلية التصاقا وتأثيرا في حياة السكان، لما لها من مردود فعّال في توفير الخدمات والمرافق والمنشآت التي تضمن ترقية إطار المعيشة، وتحسين رفاه البيئة الحضرية. وقد ارتبط ظهور قواعد التعمير والبناء التي شوّهت النسيج العمراني بالأزمة الخانقة التي عرفتها البلاد طيلة عقد من الزمن في كل تراب الوطن بدون استثناء، وبالخصوص في المدن الكبرى التي عرفت توسعا كبيرا بفعل النزوح الريفي، ممّا أدى إلى ارتفاع الكثافة السكانية نتيجة عدة أسباب متباينة.
     وأفرزت هذه الوضعية ظهور ما يسمى بالبناء الفوضوي الذي أثّر بشكل مباشر على النسيج العمراني، وأمام تفشي هذه الظاهرة صدر عدد من القوانين والمراسيم التنفيذية المنظمة والمحددة لأنواع المخالفات في النسيج العمراني، وكذا إجراءات تسوية الوضعية والعقوبات المطبقة على مرتكبيها ([4]).
     وقد حرصت الجزائر على دعم وتقوية صلاحيات ومسؤوليات البلديات، بما يمكّنها من المشاركة الفعالة في تطبيق استراتيجيات التهيئة العمرانية، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية على المستوى المحلي، حيث تم تعديل قانون البلدية وإصدار قوانين جديدة للتهيئة والتعمير والعقار والتنمية المحلية، تحدد وتبيّن المسؤوليات والمهام المسندة للبلديات وتضبط حدود ممارستها في إطار الحرص على تمكينها من التكفل بتسيير وتهيئة المدن، في كل ما يتعلق بنموها والمحافظة على بيئتها وإطارها المبني، وتطوير وظائفها، والارتقاء بظروف ونوعية معيشة سكانها، وذلك بإعطائها سلطة التصرف الكامل في الشأن المحلي، وبخاصة في مجال التهيئة والتعمير.
    ومع منح القوانين صلاحيات ومهام كثيرة ومتنوعة للجماعات المحلية في مجال التهيئة والتعمير وإدارة المدن، إلاّ أن المتتبع لحالة العمران في المدن الجزائرية يلحظ تدهورا وقصورا كبيرين، نتيجة الخلل الواضح في تنمية العمران الحضري، والارتقاء بالإطار المعيشي ورفاه السكان. ولذلك كان لابد من تحليل ونقد، ومن ثم تقييم مدى انسجام نشاط الترقية العقارية مع أدوات التهيئة والتعمير، وذلك من خلال رصد ودور عمليات الترقية العقارية في تحسين راحة المستعملين، ومن ثم الترقية بالسلوك النفسي والاجتماعي للمواطن. وهو غاية ما يهدف إليه كل نشاط عقاري، حيث جاء في المادة 10 من قانون نشاط الترقية العقارية بأنه:"يجب أن يؤخذ في الحسبان الإنسجام المعماري والعمراني والطابع الجمالي بالنسبة للمجموعة العقارية الأصلية عند تصميم البناية أو البنايات التي تكون موضع عملية توسيع مشروع عقاري". وصولا إلى إبراز الأسباب الأساسية لتدني كفاءة وفعالية تلك الآليات، وتداعياتها على تدهور بيئة المدن الجزائرية. وما هي العوائق التي تحول دون ضمان تناسق أدوات التهيئة والتعمير وتصاميم التهيئة العمرانية، ومراقبتها لتكون منسجمة مع إستراتيجية التهيئة العمرانية، في ظل نشاط توسع مطرد لنشاط الترقية لعقارية ؟   
    أسندت الدولة الأدوار الأولى للبلديات في رسم خيارات وتوجهات التهيئة والتعمير، التي تحدد القواعد العامة " لتنظيم إنتاج الأراضي القابلة للتعمير، وتحويل المبنى، في إطار التسيير الاقتصادي للمجال، والموازنة بين وظيفة السكن والفلاحة والصناعة والمناظر الطبيعية والتراث الثقافي والتاريخي"([5]). وهي على صنفين:
 1- المخطط التوجيهي للتهيئة والتعمير (PDAU): ([6])يغطي تراب بلدية، أو مجموعة بلديات، تجمع بينها مصالح اقتصادية واجتماعية، وهو "أداة للتخطيط المجالي والتسيير الحضري، يحدد التوجهات الأساسية للتهيئة العمرانية للبلدية أو البلديات المعنية، أخذا بالاعتبار، تصاميم التهيئة العمرانية ومخططات التنمية، ويضبط الصيغ المرجعية لمخطط شغل الأراضي"المادة 16 من قانون التهيئة والتعمير رقم 90/29.
    ويتجسد هذا المخطط في نظام يصحبه تقرير توجيهي ومستندات بيانية مرجعية، إذ يحدد التخصيص العام للأراضي على مجموع تراب بلدية أو مجموعة من البلديات حسب القطاع، كما يحدد توسع المباني السكنية وتمركز المصالح والنشاطات وطبيعة وموقع التجهيزات الكبرى والهياكل الأساسية. فضلا عن تحديده لمناطق التدخل في الأنسجة الحضرية والمناطق الواجب حمايتها.
   ويقسم المخطط التوجيهي للتهيئة والتعمير المنطقة التي يتعلق بها إلى قطاعات محددة كما يلي:
 القطاعات المعمرة: وتشمل كل الأراضي حتى وإن كانت غير مجهزة بجميع التهيئات التي تشغلها بنايات مجتمعة ومساحات فاصلة ما بينها، ومستحوذات التجهيزات والنشاطات ولو غير مبنية، كالمساحات الخضراء والحدائق والغابات الحضرية الموجهة إلى خدمة هذه البنايات المجتمعة (المادة 20 من القانون).
 القطاعات المبرمجة للتعمير: وهي الأراضي المخصصة للتعمير على الأمدين القصير والمتوسط في آفاق 10 سنوات، حسب جدول من الأولويات المنصوص عليها في المخطط التوجيهي للتهيئة والتعمير (المادة 21) .
 قطاعات التعمير المستقبلية: وتشمل الأراضي المخصصة للتعمير على المدى البعيد في آفاق 20سنة حسب الآجال المنصوص عليها في المخطط التوجيهي للتهيئة والتعمير (المادة 22).
 القطاعات غير قابلة للتعمير: وهي القطاعات التي يمكن أن تكون حقوق البناء منصوصا عليها ومحددة بدقة و بنسب تتلاءم مع الاقتصاد العام لمناطق هذه القطاعات (المادة 23) .
2- مخطط شغل الأراضيPOS): ([7])يغطي جزءا من تراب بلدية، يحدد بصفة تفصيلية - في إطار توجهات المخطط التوجيهي للتهيئة والتعمير- حقوق استخدام الأرض والبناء، والشكل الحضري، والتنظيم، وحقوق البناء، واستعمال الأراضي. كما يعيّن الكمية الدنيا والقصوى من البناء المسموح به، وأنماط البنايات المسموح بها واستعمالاتها. كما يضبط القواعد المتعلقة بالمظهر الخارجي للبنايات. ويحدد البنايات العمومية والمساحات الخضراء، والمواقع المخصصة للمنشآت العمومية، والمنشآت ذات المصلحة العامة، وكذا تخطيطات ومميزات طرق المرور، كما يحدد الإرتفاقات والأحياء والشوارع، والمواقع الواجب حمايتها وتجديدها وإصلاحها....
   هذه الأدوات تندرج في إطار سياسة تهيئة الإقليم وتنميته المستدامة، وهي تعد وتصمم وفق مسار تشاوري ومنسق، وتنفذ في إطار اللاتمركز واللامركزية، والتسيير الجواري، والهدف منها:
- ضبط توقعات التعمير وقواعده، وآفاق التطور والتنمية لمقر البلدية.
- ترشيد استعمال المساحات والمحافظة على النشاطات الفلاحية وحماية المساحات الحساسة والمواقع.
- تعيين الأراضي المخصصة للنشاطات الاقتصادية وذات المنفعة العامة، والبنايات الموجهة للاحتياجات الحالية والمستقبلة.
- شروط التهيئة والبناء للوقاية من الأخطار الطبيعية والتكنولوجية([8]).
   وحرصا من الدولة، على مبدأ المشاركة والمشاورة والتنسيق، ولأهميته في الارتقاء بمستوى ومردود هذه الأدوات، تم التأسيس لآليات واعدة، للتشاور الواسع والمشاركة المكثفة لكل الفاعلين، بصورة ناجعة ومنظمة، وذلك على صعيدين:
الأول: ويخص القطاعات الفاعلة المتدخلة في التهيئة والتعمير، التي تستشار وجوبا، وهي استشارة الإدارة العمومية ومصلحة الدولة المكلفة بالتعمير على مستوى الولاية.
الثاني: ويتعلق بمشاركة المواطن والمجتمع المدني، في تسيير البرامج المتعلقة بمحيطه المعيشي، بالمشاركة في صياغة وإعداد هذه الأدوات بطريقتين:
أ) التحقيق العمومي: وهو شكل من أشكال مشاورة ومشاركة الجمهور، حيث تقتضي إجراءات إعداد مخططات التهيئة والتعمير على أن يقوم رئيس المجلس الشعبي البلدي بعرض المشروع للتحقيق العمومي، خلال 45 يوما بالنسبة للمخطط التوجيهي للتهيئة والتعمير، و60 يوما لمخطط شغل الأراضي، لتمكين السكان من إبداء رأيهم وملاحظاتهم على أن يعدل المشروعان عند الاقتضاء، للأخذ بعين الاعتبار نتائج التحقيق.
ب) الإعلام والإشهار: حيث يلزم القانون البلديات بإشهار واسع لأدوات التهيئة والتعمير، لتمكين المواطنين من الحصول على المعلومات حول وضعية مدينتهم، وتطورها وآفاقها، ضمانا للشفافية، بأن تخضع أدوات التهيئة والتعمير لأوسع إشهار، وتوضع في متناول المستعملين من الجمهور الذي يحتج بها عليهم، مع مراعاة الطرق القانونية المشروعة المنصوص عليها في هذا الإطار، ويتعين على كل مالك أن يستعمل ويهيء ملكيته طبقا لنوعية الاستعمال الذي تسطره أدوات التهيئة والتعمير، وعلى أن ينشر مشروع المخطط التوجيهي للتهيئة والتعمير ومخطط شغل الأراضي باستمرار، في الأمكنة المخصصة عادة للمنشورات الخاصة بالمواطنين، وعلى أن تلتزم السلطة التي وضعتها باحترام محتواهما. كما يحق لأي شخص طبيعي أو معنوي، أن يطّلع في عين المكان، على محاضر مداولات المجلس والقرارات، وأن يأخذ منها نسخة على نفقته. إضافة إلى إتاحة إمكانية حضور الجلسات العلنية للمجلس الشعبي البلدي للمواطنين الراغبين في ذلك.
   وبعد كل هذه المراحل المتميزة بالتشاور الواسع والمشاركة المكثفة لكل الفاعلين والمتدخلين في التهيئة والتعمير، تأتي مرحلة المصادقة على هذه الأدوات. ويندرج هذا المسار المتدرج لصناعة قرار المصادقة، في مسعى الدولة على ضمان تناسق أدوات التهيئة والتعمير وتصاميم التهيئة العمرانية ومراقبتها لتكون منسجمة مع استراتيجية التهيئة العمرانية والتنمية الاقتصادية التي تحددها السلطات العمومية ([9]).
   واضح ممّا تقدم الصلاحيات الواسعة المخولة للجماعات المحلية في إدارة العمران الحضري، بما يضمن نظريا، مساوئ التوسع الحضري غير المنضبط، ويحقق الصحة والأمن والرفاه لساكنة المدن، وما يرتبط به من حماية للبيئة والصحة في ظل نشاط عقاري متسارع. ومع كل هذا يقوم الكثير من المرقين بإدخال تغييرات مختلفة على الواجهات، نتيجة رغبتهم في تكييف مشاريعهم لتتلاءم مع احتياجاتهم، أو بناء على طلبات المكتتبين، والمرتبطة أساسا بعاداتهم وتقاليدهم ونمط معيشتهم، ويمكن رد ذلك لأسباب مختلفة في مقدمتها الرغبة في الكسب الوفير والمضاربة في العقارات، من طرف المرقين، سيما تلك المتعلقة ببنايات ذات الإستعمال السكني أو التجاري، فضلا النقص أو انعدام الوعي الإجتماعي بثقافة المحيط، والغياب الكلي لمنظمات المجتمع المدني وعدم استعمالها لحقها القانوني في المراقبة والمساءلة في ميدان التعمير، حيث تنتهي علاقة المكتتب مع المرقي بتسلمه الفعلي للعقار. هذا بالرغم من التطور الإيجابي من خلال منح القانون للمجتمع المدني، حق المراقبة والمساءلة في ميدان التعمير، حيث "يمكن لكل جمعية تشكلت بصفة قانونية تنوي بموجب قانونها الأساسي، العمل من أجل تهيئة إطار الحياة وحماية المحيط، أن تطالب بالحقوق المعترف بها للطرف المدني، فيما يتعلق بمخالفات الأحكام للتشريع الساري المعمول به في مجال التهيئة والتعمير"([10]). فضلا عن عدم استجابة مخططات التهيئة للحاجات الاجتماعية وتكيفها مع النمو السكاني، أو أن هذه المخططات أصبحت لا تستجيب للأهداف المعينة لها نتيجة لتطور الأوضاع والمحيط. ([11])، فالتوسعات العمرانية الحديثة ينبغي أن تراعي خصوصية المكان، من حيث نوع النشاطات التي سيحتضنها، وطبيعة الحاجات المتنوعة والمتزايدة للسكان، لأن ثمة علاقة وطيدة بين النفس التعميري ونموذج المدينة التي تسعى مجموعة الفاعلين إلى تحقيقها، فهي من حيث كونها هوية مرتبطة بمواصفات إقليم محدد، هي التي تضبط المخطط العمراني وليس العكس.
     وبالرغم من الترسانة الردعية الموجودة وصرامة القيود التي وضعها القانون، فإن التطبيق الميداني لا يزال محدودا، حيث يتزايد يوميا، وعلى مرأى من السلطات المختصة، عدد مشاريع الترقية العقارية المخالفة للقانون، كغيرها من المباني، دون أي تدخل، حيث تؤكد معطيات وزارة السكن والتعمير، بالنسبة للسداسي الأخير من سنة 2007 أن 10% فقط من عدد المباني المخالفة للتشريعات، التي أحصتها المصالح المختصة، تم هدمها، والواقع أن الجماعات المحلية، تتصرف بالنسبة لهذا الأمر، على هاجس الخوف من أعمال الشغب، التي تطبع في أغلب الأحوال، هذه العملية، أو بالعمل على تحقيق مصالح انتخابية، أو لعجزها عن توفير المأوى، بعد الإخلاء القسري لأصحاب هذه المباني، أو نتيجة للتأخر المعتبر في تنفيذ أو استكمال بعض المشاريع، الأمر الذي قد تتحمل معه مصلحة الدولة المكلفة بالتعمير عبء الخروقات المتكررة للقوانين والنصوص التنظيمية، بتدخل مباشر أو غير مباشر وبأساليب لا تمت للقانون بصلة. ويشهد لذلك أن بعض مشاريع الترقية العقارية لا تتطابق مع مخططات التعمير([12])، وهو ما يجعل مديرية التعمير والبناء في نزاع متصل مع المرقين العقاريين. أو إخضاعها للمطابقة و/أو إتمام الإنجاز تطبيقا للقانون رقم 08/15 المؤرخ في 20/06/2008 الذي يحدد قواعد مطابقة البنايات وإتمام إنجازها، والذي جرى العمل بالتوسع في مضامينه، من خلال مذكرات عمل وتعليمات([13])، أوجبت دراسة الحالات الخاصة التي يمكن مصادفتها في إطار دراسة طلبات مطابقة البنايات و/أو إتمام إنجازها حسب روح النص والمبادئ المنصوص عليها في القانون ونصوصه التطبيقية. حيث روعي:
أ‌)       اعتبارات عقارية في مجال تحقيق المطابقة و/أو إتمام إنجاز البنايات: وذلك بالنظر لتشييد تلك البنايات على أراضي ذات طبيعة مختلفة، سواء كانت أراضي تابعة للأملاك العمومية للدولة، أو الأملاك الخاصة للدولة أو الولاية أو البلدية، أو كانت الأراضي خاضعة للقانون الخاص، أو مخصصة عن طريق عقد إداري. 
ب‌)   اعتبارات في ميدان حقوق البناء: ففي إطار عملية تحقيق مطابقة و/أو إتمام إنجاز البنايات، وعلاوة على الجانب المتعلق بملكية العقار يجب الأخذ في الحسبان احترام قواعد التعمير ومعايير البناء، وكذا جمال الهندسة المعمارية. ومع ذلك فإن حالات عدم احترام معمل شغل الأرض(COS) ومعامل المساحة المبنية، وكذا معامل إقامة البناية والفتحات..، لاتكون سببا لرفض طلب تحقيق المطابقة، فتقيّم هذه التجاوزات في المقرر الواجب تسليمه متضمنا، عند الإقتضاء، تحفظات يجب رفعها.      
     إن حالة الوضع المتردي للعمران الحضري في الجزائر، المتميز بإكراه وقصور كبيرين، تعكس في الواقع فشل السياسات العمرانية المتبعة منذ الاستقلال.
     رابعا: تهيئة الإقليم وما يرتبط به من إشكاليات في ضوء التوسع العمراني و قضايا صناعة المدن:
     تمثل المدينة روح تطور العمران المتظافر مع المكان والزمان وقاطرة التعمير، فبقدر ما يقتضي الأمر منا تجديدا وإبداعا، بقدر ما يقتضي و بإلحاح السهر على صيانة وحماية ذاكرة حواضرنا تنقيبا وترميما وإشهارا. والمدينة حسب تعريف شامل هي شكل من التجمعات البشرية بالغ الكثافة والتنظيم والتعقيد، وتعقيد هذا الشكل التجمعي يترتب عن الحجم المعتبر والكثيف لسكان المدينة، وتعدد وتنوع حاجاتهم ووظائفهم وأغراض تجمعهم، وهو ما يعرف حديثا بالتخصص، وهذا هو الفاصل الأساس بين تجمع الضرورة الذي تسيطر عليه البساطة(القرية)، والتجمع الحضري الذي يتصف بالتعقيد(المدينة)([14]).
     والمدينة قديمة قدم التاريخ، وعريقة عراقة الحضارة، وفضاء للإبداع الإنساني، وهي الموقع الأساسي لإنشاء الثروة وتراكمها، والفضاء المفضّل لتنظيم وهيكلة الإقليم والمجتمع، وهي في الأخير مركز كل السلطات السياسية والإقتصادية والإجتماعية والتكنولوجية. وقد قدر سكان المعمورة سنة 1900 بمليار وخمسمائة مليون نسمة، منهم 200 مليون نسمة من الحضر، ونهاية سنة 2000 قدر عدد سكان المعمورة بستة (06) ملايير نسمة، منهم ثلاثة (03) ملايير في المدن، أي ارتفع عدد السكان أربع مرات، بينما ارتفع عدد سكان الحضر خمس عشرة مرة، ويشير هذا إلى تزايد مستمر لسكان المدن، الذي يقدر بمعدل خمسمائة (500) مليون لكل عشر سنوات. وتفيد التوقعات المرتقبة أن نسبة سكان الحضر (la population urbaine)  ستبلغ 75% خلال سنة 2020، فمن خلال عقود زمنية قليلة انقلبت المعادلة كليا، والجزائر ليست بمعزل عن هذه الظاهرة وتأثيراتها المختلفة، سلبا أو إيجابا، حيث قدر عدد سكان الجزائر سنة 1966 ب12 مليون نسمة، تعيش نسبة 31% منهم في المدينة ضمن حوالي 95 تجمعا سكانيا حضريا، وارتفع التعداد السكاني سنة 1987 إلى 23 مليون نسمة، نسبة 50% منهم في المدن. وتوقع أن تقارب نسبة السكان الحضر حوالي 70% سنة 2010 و80% سنة 2025، أي 33 مليون نسمة من 42 مليون نسمة متوقعة سنة 2025 في المدن.
     وهو ما دعا إلى اعتماد إصلاحات تعنى بالقوانين المتعلقة بتسيير شؤون المدينة وتدبيرها، تستهدف المناحي المختلفة لها. والسؤال الذي يتبادر للذهن هل استعدت مدننا استقبال هذه التدفقات البشرية ؟ وماذا أعدّت لمواجهة هذا الواقع وتحدياته ؟      
     إن دلالات السلوك الحضرية الراهنة وطبائع التعمير الفوضوي، أحيانا، قد بدأت تدفع أهل الشأن إلى دق ناقوس الخطر، حول ضرورة تجاوز إشكالية الإسكان، الذي لا يمكنه أن يصنع مدينة مندمجة ومتميزة، يوجهها مشروع عمراني وطني، يتلاءم مع مقتضيات البيئة والقدرات الاقتصادية والمرجعيات الجمالية الخاصة بكل فضاء، فثمة حاجة ماسة إلى تنويع الواجهة العمرانية والتعميرية بالبحث الأصيل في فرضية التناغم والتكامل بين المشروع العمراني الوطني، ووحدات مشاريع العمران المحلي، التي تتطلبها الظروف البيئية و تقتضيها تنوعات أقاليمنا. وكان ذلك أحد الأسباب لتعديل المرسوم التشريعي رقم 93/03 المتعلق بالنشاط العقاري وحلّ محله  القانون رقم 11/04 الذي يحدد القواعد التي تنظم نشاط الترقية العقارية الذي يعد مع غيره إحدى مظاهر الإصلاحات التي تعنى بالقوانين المتعلقة بتسيير شؤون المدينة وتدبيرها.
    لكن القفز على واقع الحياة العمرانية، وبخاصة التوترات داخل الفضاء الحضري والإرتماء في أحلام المدن العملاقة دون تحديد مسبق لأدوات الإنجاز، والتوضيح الدقيق للمشروع الحضري الذي يبقى قوامه التنمية الاجتماعية الحضرية، قد يؤدي إلى مضاعفات تعميرية يصعب التحكم في تعقيداتها ومخاطرها سواء على التوازنات داخل المدن، أو فيما يتعلق بالأمن الاجتماعي والرفاهية الحياتية الحضرية. لذلك فإن إنشاء مدن جديدة، يدخل في حركية النمو التي تعرفه بلادنا على مختلف الصعد، فإن تمكنت البلاد من تحقيق إنجازات عمرانية هائلة توزعت على مختلف مناطق البلاد فقد غاب في كثير من الأحيان ربطها بخصوصية المكان من حيث تناسقها مع طبيعة العمران الأصلي الذي يمتد في أعماق التاريخ يروي حياة من سبق، و يشهد على أحقاب خلت بمميزاتها الحضارية التي طبعت هوية المكان، مع إضافة مساحات جمالية تأخذ في الحسبان ما استجد من إبداعات الإنسان في الصناعة العمرانية والتعميرية.
    إن المدينة تحتاج اليوم إلى عناية أكثر، سواء فيما تعلق بتسييرها كفضاء حيوي ومعقد، أو من حيث التكفل بعلاقتها الإستراتيجية بإشكالية تهيئة الإقليم وما يرتبط به من إشكاليات فرعية، كالتوزيع الديموغرافي للسكان وتخطيط اقتصاديات المستقبل.
    هذه الحيثيات تطرح على التجربة العمرانية والتعميرية في الجزائر واجب العناية بتأهيل المدن من جديد، وفق خارطة، تتوازن فيها المصالح و يتجانس التعايش بين كل الفاعلين. ومن ذلك فإن أحزمة الأحياء التلقائية التي صارت تحاصر المدن كلها تقريبا، والتمدد الأفقي والفضائي، يجب أن تخضع كلها للمعالجات التي تعتمد على الدراية العلمية والمعرفة الميدانية والطرق الحديثة والمتخصصة. وليس لنا من خيار إلا تجاوز بناء أحياء مراقد يصطف بعضها إلى جانب بعض في ديكور حزين، يضفي مسحة من الكآبة على المكان بما يعكر صفو ساكنيها، و يعقد الأمر أمام القائمين على إدارتها وتسييرها في خلق فضاءات لأنشطة قادرة على بعث الحياة فيها، بل قد تشكل خطرا على الأمن الإجتماعي بما توفره من كثافة سكانية؛ لا تربطها في الغالب تقاليد متوارثة من عيش سابق مشترك؛ بما يسمح من فرض قيم جماعية تضبط سلوكات الأفراد، وتمنعهم من التصرفات المشينة والإخلال بالآداب العامة.
     وبغض النظر عن التوترات الحضرية الظاهرة للعيان وعن الانحرافات العمرانية التي صارت تطبع المشروع العمراني بالجزائر، وظروف الحياة الحضرية، فإن ذلك يثير تساؤلا مهما حول ما إذا كانت مدننا ما زالت في متناول إرادتنا التسييرية ويمكن ضبطها من خلال أدوات قانونية وتنظيمية ؟
        إن مسألة التوسع العمراني وقضايا صناعة المدن يجب أن تخضع لمتطلبات مدنيتها كما هي، فمدننا وبغض النظر عن أحجامها و مواقع توزعها مطالبة بكسب رهان صناعة القوة الحضرية التي تمر حتما عبر اقتصاد حضري تؤهله مدينة فاعلة وهياكل راقية تسيرها الطاقات البشرية الهائلة والكفاءة التي تزخر بها المدن. وصناعة تآلف إنساني تطبعه قيم التفاهم والعدل والتضامن والرقي المشترك، وتمتد قيمه أيضا إلى صيانة البيئة والحفاظ على سلامتها.
     هذه التحديات النوعية التي تفرض نفسها تحيل إلى خيارات جديدة غايتها تجاوز دوامة المطالب الكمية في البناء والهياكل بغية الوصول إلى تحقيق ما يمكن تحقيقه من إنجازات نوعية عالية القيمة الجمالية والوظيفية، تسمح للكفاءات الوطنية من اختبار قدراتها في مدن مندمجة تحركها أقطاب الامتياز.
     وفي تطور إيجابي، توّج مسعى الإصلاحات في عام 2006، بصدور القانون التوجيهي للمدينة رقم 06/06 المؤرخ في 20/02/2006، والذي جاء في سياق استكمال المنظومة التشريعية المتعلقة بتهيئة الإقليم والتنمية المستدامة وحماية الفضاءات الحساسة وتثمينها وترقيتها([15])، حدّد بدقة سياسة المدينة وأهدافها وأدواتها، في إطار التشاور والشراكة مع الجماعات المحلية والمتعاملين الاقتصاديين والاجتماعيين، وبمساهمة المجتمع المدني، وذلك بإدراج هذه السياسة في سياق المبادئ العالمية الحديثة للحكم الراشد والتنمية المستدامة. وبذلك تكون الدولة قد أدركت أن التهيئة العمرانية هي قبل كل شيء إرادة سياسية واختيار استراتيجي يهدف إلى ترشيد النمو الحضري، والنهوض بالاقتصاد الحضري، ويسعى إلى الإرتقاء بالمحيط المعاش، وتلبية انشغالات المواطن، ويعمل للمصلحة العامة ولتحقيق الإنصاف الإجتماعي ([16]).
     الواقع فإن الدولة ومؤسساتها المدنية ينبغي أن تكون واعية بالواقع العمراني الراهن، وقد  بدأت تعمل على استدراكه، ويتأكد ذلك من خلال جهد غير مسبوق يجري العمل به حاليا، ويتلخص في التأسيس لسياسة جديدة للمدينة، ويتجلى ذلك من خلال استصدار القانون التوجيهي للمدينة نتيجة  ما تعانيه المدينة الجزائرية اليوم من عدة اختلالات وفي مختلف المجالات العمرانية الاجتماعية، الاقتصادية وغيرها، حيث أن عدم تكافؤ الفرص في المدن الجزائرية أدى إلى اختلال في الكثافات السكانية من الشمال إلى جنوب، وزاد من هجرة السكان، وهذا ما أدى إلى خلق فوضى في المدن الجزائرية وانتشار العمران الفوضوي، نتيجة الحاجة إلى العقار، وبالرغم من وجود قوانين تتعلق بالمدينة و ضوابطها إلا أن هذه القوانين لم تعد فاعلة لعدم تماشيها مع تطور المدينة الجزائرية.
     وقد استوحت مبادئ وأسس القانون أعلاه من المبادئ العالمية الحديثة والقائمة على أسس التنسيق والتشاور بين كل الفاعلين عموميين وخواص ومجتمع مدني، ضمن مبادئ اللامركزية واللاتمركز، وعملا بالتسيير الجواري، والحق في الإعلام، وترقية الثقافة، والمحافظة والإنصاف الاجتماعي، في منظور التنمية البشرية والمستدامة، والتمكين للحكم الراشد بهدف تحقيق الإنصاف الإجتماعي، من خلال الإنسجام والتضامن والتماسك الإجتماعي بين العناصر الأساسية لسياسة المدينة، والتي تتعلق على وجه الخصوص بميادين مهمة، تتمثل في:
-         تقليص الفوارق بين الأحياء وترقية التماسك الإجتماعي.
-         القضاء على السكنات الهشة وغير الصحية.
-         تدعيم الطرق والشبكات المختلفة.
-         حماية البيئة.
-         الوقاية من الأخطار الكبرى وحماية السكان...
     ويقوم هذا القانون كإحدى الوسائل لفهم الظاهرة العمرانية ومحاولة ضبط تحولاتها، ومن ثم رسم حدود مشروع عمراني، يقوم على عدد من المبادئ والاعتبارات تتمثل في وضع إطار تشريعي منسجم يضمن ترقية المدينة، ويكرس مبدأ التشاور والتكامل في إعداد الاستراتيجيات المتعلقة بسياسة المدينة والإسهام في إنجاحها وترقية الاقتصاد الحضري والتنمية المستدامة، وتجسيد مهام المراقبة ومتابعة كافة النشاطات المتعلقة بسياسة المدينة مع التركيز على الخدمة العمومية والشفافية والعمل والتضامن، وتعزيز حضور الدولة وتطبيق القانون، وتحديد إطار مؤسساتي وتنظيمي لتسيير المدينة وتحديد صلاحيات الفاعلين ودورهم، فضلا عن التقليل من الاختلال في المناطق الحضرية، ومراقبة توسع المدن واعتماد قواعد التسيير والتدخل والاستشارة تقوم على مبادئ التعاقد والشراكة وتنويع مصادر التمويل للتنمية المستدامة للمدينة، وإنشاء مصدر للمدينة يتولى تخطيط سياسة المدينة ومتابعة تنفيذها.
   ويتجلى الترابط بين القانون التوجيهي للمدينة مع قانون الترقية العقارية، في حق الإعلام المكرس في حيثيات المبادئ العامة للقانون الأول، والذي بموجبه يتمكن المواطنون من الحصول بصفة دائمة على معلومات حول وضعية مدينتهم وتطورها وآفاقها. هذا المبدأ ورد التأكيد عليه كالتزام من التزامات المرقي في المادة 41 من قانون 11/04 بنصها:"يلتزم المرقي العقاري بضمان الإعلام عن مشروعه العقاري في الأماكن المخصصة للإشهار في البلدية المختصة إقليميا، وذلك قبل أي عرض للبيع". كما اعتبر القانون التوجيهي للمدينة المتعاملين الإقتصاديين والمستثمرين لا سيما في مجال الترقية العقارية أحد الفاعلين الرئيسيين لتنفيذ سياسة المدينة وتحقيق الأهداف والإطار والأدوات، وكإحدى الأدوات للشراكة لتنفيذ البرامج والنشاطات في إطار سياسة المدينة يمكن إبرام ما يسمى بعقود تطوير المدينة التي تتم مع الجماعات الإقليمية والشركاء الإقتصاديين والإجتماعيين وتحديدا المتعاملين في الترقية العقارية([17]).  
     لا شك أن جل المبادئ التي صدر لأجلها القانون التوجيهي للمدينة تعد مبادئ مثالية، وجل الأحكام الواردة في نصوصه لا تحتاج إلى نصوص تنظيمية بقدر ما تحناج إلى إرادة ومتابعة من طرف الجهات المكلفة بتنفيذها وبالأخص تلك التي لها علاقة بالشأن العمراني. إذ المتتبع لحالة العمران في المدن الجزائرية وإطارها المعيشي، وما يمثله من تدهور وقصور كبيرين، يمكنه الاستنتاج بأن هناك خللا واضحا في تنمية العمران الحضري، والارتقاء بالإطار المعيشي ورفاه السكان، حيث يعاني سكان الحي من نقص كبير في فضاءات اللعب، فضلا عن النقص الملاحظ في التأثيث الحضري الخاص بالأطفال، وافتقار الحي إلى ساحات وأماكن التقاء السكان ما أدى إلى فتور العلاقات بينهم وعدم وجود رابط قوي بينهم وبين الفضاء الخارجي للحي يدفعهم إلى الحفاظ عليه، وفي ظل ذلك تكون المقاهي، والشوارع، والمساحات غير المهيّئة هي مقصد أصحاب الحي للراحة وأماكن للقاء.

      الخاتمة:   
    واضح أن دلالات السلوك الحضرية الراهنة و طبائع التعمير الفوضوي، أحيانا، أمام الطلب المتزايد على السكن، قد بدأت تدفع أهل الشأن إلى دق ناقوس الخطر، حول ضرورة تجاوز إشكالية الإسكان، الذي لا يمكنه أن يصنع مدينة مندمجة ومتميزة، يوجهها مشروع عمراني وطني، يتلاءم مع مقتضيات البيئة والقدرات الاقتصادية والمرجعيات الجمالية الخاصة بكل فضاء، لأن ثمة حاجة ماسة إلى تنويع الواجهة العمرانية والتعميرية بالبحث الأصيل في فرضية التناغم والتكامل بين المشروع العمراني الوطني، ووحدات مشاريع العمران المحلي، التي تتطلبها الظروف البيئية وتقتضيها تنوعات أقاليمنا. وهو ما أكدته نصوص قانون نشاط الترقية العقارية بوجوب أن تسعى  كل  عملية  تجديد  عمراني إلى  جمال الإطار  المبني  وتحسين راحة المستعملين، وكذا مطابقته  للمعايير  العمرانية  السارية. ووجوب انسجام الطابع المعماري والعمراني والطابع الجمالي بالنسبة للمجموعة العقارية الأصلية عند تصميم البناية التي تكون موضع توسيع عقاري، وهو ما استدعى ترتيب آلية قانونية، وهو ضرورة تطابق المشاريع العقارية مع مخططات  التعمير، وتوفرها على العقود والرخص المسبقة والمطلوبة بموجب التشريع  والتنظيم المعمول  بهما، والتي تحترم الاقتصاد  العمراني  حين تكون متواجدة  داخل الأجزاء  العمرانية  في  المدن.
    جاءت أحكام هذه النصوص استكمالا للمنظومة القانونية القائمة للحد أو التقليل من التوترات داخل الفضاء الحضري، والانحرافات العمرانية التي صارت تطبع الـمشاريع العقارية، من خلال الارتماء في أحلام المدن العملاقة دون تحديد مسبق لأدوات الإنجاز، والتوضيح الدقيق للمشروع الحضري الذي يبقى قوامه التنمية الاجتماعية الحضرية، ويؤدي إلى مضاعفات تعميرية يصعب التحكم في تعقيداتها ومخاطرها سواء على التوازنات البيئية داخل المدن، أو فيما تعلق بالأمن الاجتماعي والرفاهية الحياتية الحضرية. ذلك أن المدينة تحتاج اليوم إلى عناية أكثر سواء فيما تعلق بتسييرها كفضاء حيوي ومعقد، أو من حيث التكفل بعلاقتها الإستراتيجية بإشكالية تهيئة الإقليم، وما يرتبط به من إشكاليات فرعية كالتوزيع الديموغرافي للساكنة وتخطيط اقتصاديات المستقبل. وهو ما حاولت الحد منه قوانين تعنى بالتعمير والتهيئة العمرانية.
   إن تقدير حجم الأثر الذي تخلفه المنازعات العقارية بشأن الترقية العقارية على التهيئة العمرانية يقتضي منا الوقوف على الأسباب المتعددة المؤدية للمنازعات، والتي يمكن تلخيصها في:
-         انعدام أو اختلال التوافق بين البرامج والمشاريع المعدة من طرف الجماعات الإقليمية وسياسة المدينة، حيث تكون تلك المشاريع في الغالب ظرفية أو لاحتواء بعض الإضطرابات الإجتماعية والظرفية الحاصلة.
-         انعدام تناسق الأدوات المتعلقة بسياسة المدينة.
 - عدم إشراك المواطنين فعليا في البرامج والأنشطة المتعلقة بسياسة المدينة، بالرغم من التأكيد على ذلك قانونا، ومنها تلك المتعلقة بنشاط الترقية العقارية. وذلك بسبب عدم توفير الدولة والجماعات الإقليمية للشروط والآليات الكفيلة بتحقيق ذلك، أو الغياب شبه الكلي لمنظمات المجتمع المدني.
- غل يد مصلحة الدولة المكلفة بالتعمير (مديرية التعمير والبناء) عن متابعة المرقين العقاريين المخالفين، وتسوية بعض المخالفات إداريا مع الجماعات الإقليمية حينا، أو التجاوز وغض الطرف الطرف عن غالبيتها حينا أخرى.


([1]) والمقصود هنا هو البيع على التصاميم وهو كل بيع لبناية أو جزء منها مقرر بناؤها أو هي في طور البناء، بحيث يتضمن العقد تحويل حقوق الأرض وملكية البنايات من طرف المرقي العقاري لفائدة المكتتب أو المستفيد موازاة مع تقدم الأشغال، وفي المقابل يلتزم المكتتب بتسديد السعر كلّما تقدم الإنجاز. وقد قررت أحكامها المواد من 10 إلى 13 من المرسوم التشريعي رقم 93/03 المتعلق بالنشاط العقاري. وحلّت محلها المواد 28، 29، 30 من القانون رقم 11/04 الذي يحدد القواعد التي تنظم نشاط الترقية العقارية. في انتظار صدور التنظيم الذي يحدد نموذج عقد البيع على التصاميم.
([2]) والتي ورد نصها: "يجب أن تسعى كل عملية تجديد عمراني إلى جمال الإطار المبني وتحسين راحة المستعملين، وكذا مطابقته للمعايير العمرانية السارية" . 
([3]) المادة 55 من القانون رقم 04/05 المتعلق بالتهيئة والتعمير.   
(1) ومن ذلك: القانون رقم90 /29 المؤرخ في 01-12-1990 المتعلق بالتهيئة والتعمير وكذلك المراسيم التنفيذية له رقم 175-176-177-178 الصادرة بتاريخ 28 ماي 1991. القانون رقم 05-04 المؤرخ في 14 أوت 2004 المعدل والمتمم للقانون 90/29 المشار إليه أعلاه سيما المواد من 76 مكرر إلى المادة 76 مكرر5. المرسوم التشريعي رقم 94/07 المؤرخ في 18 ماي 1994 وخاصة المادة 50 منه التي حددت مجموعة المخالفات العمرانية المرتكبة.
(1) المادة الأولى من قانون 90/29 المؤرخ في 01/12/1990 المتعلق بالتهيئة والتعمير.
([6]) وقد نظمت أحكامه المواد من 16 إلى 30 من قانون التهيئة والتعمير. 
([7]) والتي ورد نصها: "يجب أن تسعى كل عملية تجديد عمراني إلى جمال الإطار المبني وتحسين راحة المستعملين، وكذا مطابقته للمعايير العمرانية السارية" . 
([8]) المادة 11 من قانون التهيئة والتعمير رقم 90/ 29 المعدل والمتمم. 
(1) لعروق محمد الهادي، التهيئة والتعمير في صلاحيات الجماعات المحلية، ملتقى حول تسيير الجماعات المحلية 09- 10 جانفي 2008، مجلة مخبر التهيئة العمرانية، مخبر المغرب الكبير الاقتصاد والمجتمع، جامعة منتوري، قسنطينة، ص10.
(2) المادة 74 من القانون 90/ 29.
([11]) جاء في المادة 28 من قانون التهيئة والتعمير بأنه:"لا يمكن مراجعة المخطط التوجيهي للتهيئة والتعمير إلا إذا كانت القطاعات المزمع تعميرها المشار إليها في المادة 19 في طريق الإشباع، أو إذا كان تطور الأوضاع أو المحيط أصبحت معه مشاريع التهيئة للبلدية أو البنية الحضرية لا تستجيب أساسا للأهداف المعينة لها".   
([12]) حيث تنص المادة 11 من قانون نشاط الترقية العقارية:"لا يمكن إنجاز إلا المشاريع العقارية التي تتطابق مع مخططات التعمير". 
([13])  كمثال على ذلك مذكرة عمل صادرة عن وزير السكن رقم 1000 لسنة 2009. 

(1) وقد شكّل هذا الموضوع حيِِّزا مهما في النظرية الخلدونية للعمران، حيث ورد تصنيفه للعمران إلى عمران بدوي وعمران حضري، والأول إنما هو أصل للثاني، وإذ يتسم الأول بالبساطة، فالثاني يتسم بالتعقيد، والإرتقاء من الأول إلى الثاني إنما ترافقه ترقية اقتصادية واجتماعية حسب متطلبات معينة. ابن خلدون، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر، وأيضا في نظرية الفارابي، حيث يستعمل مفهوم الإجتماع الناقص، والجماعات الكاملة. الفارابي، السياسة والمدينة، تحقيق د. فوزي م نجار، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، 1964، ص 54. 
([15]) ويتعلق الأمر بمنظومة قانونية من خلال: القانون رقم 01/19 المتعلق بتسيير النفايات ومراقبتها وإزالتها. والقانون رقم 01/20 المتعلق بتهيئة الإقليم وتنميته المستدامة. والقانون رقم 02/08 المتعلق بشروط إنشاء المدن الجديدة وتهيئتها. والقانون رقم 03/10 المتعلق بحماية البيئة في إطار التنمية المستدامة. والقانون رقم 04/20 المتعلق بالوقاية من الأخطار الكبرى وتسيير الكوارث في إطار التنمية المستدامة. 
(2) لعروق محمد لعروق، تسيير وتهيئة الحواضر الجزائرية، هندسة السلطة ورهانات الحكم الراشد، مجلة مخبر التهيئة العمرانية، جامعة منتوري، قسنطينة، العدد 8، سنة 2008، ص 11.
([17]) المواد: 14، 15، 21 من القانون التوجيهي للمدينة.. 

0 التعليقات:

إرسال تعليق